قصة خياليةقصص رعب طويلة

المحطة الميتة

أبقلم أحمد الليلنُشرت في ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦2 دقائق قراءة٩ مشاهدة
مشاركة
المحطة الميتة

قضت الأيام الثلاثة تجهز نفسها بطريقة لم تتخيلها يومًا: خرائط قديمة، سجل ملكية أرض، وثيقة واحدة نجت من الأرشيف بعنوان مكتوب بخط يد أبيها.

المحطة كانت على أطراف المدينة، مبنى حجري من زمن الهاتف السلكي، محول لاحقًا إلى مقسم رقمي مهمل، ثم أُغلق نهائيًا. لافتة صدئة على بابه ما زالت تحمل اسم الشركة القديم.

وصلا مساء اليوم الثالث نفسه، قبل الموعد بساعات قليلة، بعدما بدأ مازن يرفض أن تدخل المكان وحدها.

فتح القفل بمفتاح احتفظ به من سنوات لم يسأل أحد عن سببها.

الداخل كان أبرد مما تسمح به درجة حرارة الليل. رفوف معدات، أسلاك متشابكة، لوحة تحكم ضخمة، ضوء أحمر واحد يومض عليها منذ عقود لم يطفأ.

في غرفة خلف اللوحة الرئيسية، وجدت دفترًا جلديًا ممزق الحواف فوق مكتب قديم.

فتحته. خط أبيها. صفحات تعود لأشهر قبل موته، رسومات مسارات، حسابات، ثم ملاحظات أكثر شخصية تتسلل تدريجيًا بين السطور التقنية.

قرأت بصوت منخفض لمازن:

"بعض الرسايل جايه من زمن قديم عالق هنا. بعضها التانية، مش عارف تيجي منين، بس مش قديمة. دي بتيجي دلوقتي. وهي بتشوفني دلوقتي."

توقفت عند سطر آخر، أحدث، أسرع كتابة، أقل انتظامًا:

"مش عارف لسه هو مين اللي بيتكلم. أنا؟ نسخة مني هنا؟ ولا حاجة تانية خالص بتستخدم كل اللي تعرفه عني عشان تبان زيي؟ بقيت مش قادر أفرّق."

آخر صفحة مكتوبة، بخط يكاد لا يُقرأ:

"لو حد قرا ده يومًا، وكان بيسمع صوته من رقمه هو: متردش على المكالمة الجاية. الرد كإنك بتفتح باب. وبمجرد ما تفتحه، مش هتقدر تقفله تاني."

أغلقت الدفتر.

خارج الغرفة، بدأ صوت طنين خافت يتسلل من اللوحة الرئيسية، ثم طقطقة متقطعة، كأن مفتاحًا قديمًا يطلب رقمًا لم يُطلب منذ عقود.

"مازن. الساعة كام؟"

نظر إلى ساعته. توسّع وجهه بذعر لم تره عليه من قبل.

"الحادية عشر وستة وأربعين."

هاتفها اهتز برسالة أخيرة، حرفًا حرفًا كأنها منقوشة:

"متردیش على المكالمة الجاية. هتبقي إنتِ."

لم يكن لديها وقت لتفتح بيانات الرسالة الخام. لكنها، لاحقًا، ستتذكر أنها لم تكن بحاجة لذلك. كانت تعرف، بيقين لا يحتاج دليلًا، أن هذه الرسالة لم تأتِ من عام ١٩٧٠.

أضاء الهاتف بمكالمة واردة.

رقمها. يتصل بها الآن، هنا، داخل المحطة نفسها.

نظر مازن إلى الشاشة، ثم إليها.

"ياسمين. سيبيه يرن."

لكن يدها، بلا أن تأمرها، كانت تتحرك بالفعل.

الحلقة الأخيرة: لا تردي — كل حاجة بنيت هذا الموسم كله بتتقابل دلوقتي في مكالمة واحدة.

قيّم هذه القصة
أ

أحمد الليل

كاتب وباحث في الفولكلور العربي، يجمع القصص الشعبية المرعبة من عمّان إلى المدن الصغيرة.

التعليقات

أضف تعليقًا