لا تردي

لم تكن يدها هي التي أوقفتها في اللحظة الأخيرة.
كان مازن. قفز نحوها، ضرب الهاتف من يدها، فسقط على الأرض الخرسانية، لا يزال يرن، رقمها يومض في الظلام.
"ماتردیش. مهما حصل."
استمر الرنين، أطول من المرة الأولى. لم يتوقف عند سبع رنات.
اللوحة القديمة بدأت تنبض بأضواء متعددة، مفاتيحها تتحرك من تلقاء نفسها، وبكرة ورق قديمة بدأت تطبع، حرفًا بعد حرف.
اقتربت رغم تحذيره، وقرأت.
اسم يتكرر: حسين قاسم. حسين قاسم. حسين قاسم.
ثم، بعد عشرات التكرارات، تغيّر:
ياسمين قاسم.
لم تفهم كل شيء. لم يكن لديها وقت لتفهم كل شيء. لكنها فهمت كفاية لتتحرك.
"مش متأكدة إني فاهمة كل حاجة، بس المكالمة دي عايزة تقفل حاجة كانت فاضلة مفتوحة من عشرين سنة. وعشان تقفل، محتاجة اسم. أي اسم يكمّل بيه."
فتحت الدفتر على آخر صفحة، على الرسم الصغير في الهامش الذي لاحظته سابقًا ولم تفهمه: مسار بديل، خط تحويل غير مكتمل. لم يكن حلاً. كان محاولة أبيها الأخيرة، غير المكتملة، لتوجيه المسار بدلًا من قطعه.
عملت بسرعة، بيد لا تعرف يقينًا كاملًا، توجه المسار عبر تحويلة احتياطية.
في اللحظة التي أكملت فيها التوصيلة، توقف الرنين.
سكون كامل.
ثم، من سماعة الهاتف الساقط على الأرض، صوت أخير، هادئ:
"شكرًا يا بنتي."
شيء صغير، خفيف، تحرك في صدرها للحظة — شيء لم تستطع تسميته فورًا، غرق تحت موجة الإرهاق والراحة قبل أن تلحقه. لم يكن هذا الاسم الذي ناداها به أبوها طوال حياتها. لكنها كانت متعبة جدًا، مرتاحة جدًا، لتتوقف عنده.
عادت الأضواء إلى الظلام. الطنين توقف. المحطة عادت إلى صمتها.
بعد أسابيع، في مكتبها، من عادة صعب التخلص منها، صدّرت سجل كل الرسائل التي وصلتها هذا الموسم كله، لتنظر إليها مرة أخيرة قبل أن تغلق الملف نهائيًا.
الرسائل التي حذّرتها من خطر خارجي — الأسانسير، الشاحنة، الشارع — كل واحدة منها حملت تاريخ الصفر التالف. صدى قديم، عالق، متأخر، لكنه حقيقي.
الرسائل التي عرفت أشياء خاصة — الصورة، أوضة النوم، والمكالمة الأخيرة نفسها — لم تحمل ولا واحدة منها هذا العطل.
كل واحدة منها وصلت في وقتها الحقيقي. حية. الآن.
حدّقت في الفرق طويلًا، حاولت أن تفهم ما يعنيه، شعرت بشيء يتشكل في ذهنها، بارد وغير مكتمل — ثم أغلقت الملف. أخبرت نفسها إنها ستعود له لاحقًا.
لم تعد له أبدًا.
بعد شهرين، ظهر تنبيه على تبويب راقبته بدافع لم تفهمه تمامًا: نمط مطابق لتوقيع الصفر التالف — لكن ليس من محطتها. من شبكة في بلد آخر، على قارة أخرى، ظهر لأول مرة قبل يومين فقط.
وبينما تحدّق في الشاشة، وصلتها رسالة. من رقم مجهول تمامًا.
فتحت بيانات الرسالة، بغريزة لن تتخلى عنها أبدًا الآن.
توقيت حي. الآن.
"دورك جاي — بس مش دورك إنتِ."
مرفق بها اسم شخص لا تعرفه.
نهاية الموسم الأول. بعض الأسئلة اتجابت. واحد بس فضل من غيرها — وده اللي هيبدأ بيه الموسم الثاني.
أحمد الليل
كاتب وباحث في الفولكلور العربي، يجمع القصص الشعبية المرعبة من عمّان إلى المدن الصغيرة.