الرسالة
لم يتحرك أي منهما لثوانٍ طويلة بعد الطرقات الثلاث.
كسر ياسين الصمت أولًا، صوته أعلى مما قصد: "لازم نمشي من هنا دلوقتي."
لم تجادله سلمى هذه المرة. لكن يدها كانت بالفعل تفتح حقيبتها، تخرج المظروف.
فضّت الختم بأصابع لا تثق بثباتها تمامًا.
خط جدها، أكثر دفئًا وأقل رسمية من الملاحظات البلدية التي رأتها في الأرشيف:
"سلمى، لو وصلتك الورقة دي ومعاها صوت طرق، يبقى الوقت اللي كنت خايف منه وصل قبل ما أجهزك له زي ما كنت ناوي.
الغرفة دي أقدم من البيت بكتير. أقدم من أي بيت اتبنى هنا. من زمان، وأنا شاب، عملت غلطة عند باب تاني، في زقاق مش موجود دلوقتي، اتهدم من سنين. مش هقدر أشرحلك الغلطة دي كاملة — مش عشان بخاف أقولها، لكن عشان مفهمتهاش كاملة أنا نفسي لحد دلوقتي.
اللي أعرفه إن حاجة تبعتني من ساعتها. ولمّا لقيت الباب ده هنا، فهمت إني لازم أعتني بيه، مش عشان هو سبب اللي حصلي، لكن عشان مسؤوليته وقعت عليّا، وماكنش عندي حد تانى أوكلها له.
الطرق في الليلة السابعة مش هجوم. اختبار. عايز يعرف لو اللي بيعتني بيعرف الإجابة الصح."
توقف الخط هنا. الصفحة التالية كانت ملطخة، الحبر ذاب في بقعة ماء قديمة جفّت منذ سنين، الكلمات تحتها غير قابلة للقراءة تمامًا.
"مفيش إجابة،" قال ياسين، شبه صارخ. "الورقة ناقصة يا سلمى."
فكرت سلمى بسرعة، عقلها يحاول أن يمسك بأي خيط منطقي وسط الذعر. الملح. النقطة الفارغة في الخط، من الليلة الماضية.
ركضت نحو المطبخ، أحضرت كيس الملح الخشن الذي وجدته سابقًا في خزانة جدها — كأنه كان مجهزًا لهذا بالضبط — وسكبت خطًا جديدًا كاملًا على العتبة، تُغلق الفجوة التي لاحظتها قبل يومين.
توقف الطرق.
صمت ثقيل، طويل، امتلأ به الفناء بأكمله.
ثم، بعد أقل من دقيقة، عادت الطرقات الثلاث. لكن هذه المرة أبطأ. وأقرب بشكل لا لبس فيه من سطح الباب نفسه — كأن ما كان يطرق قد خطا خطوة إلى الأمام.
إجابتها المرتجلة لم تكن كافية.
الحلقة القادمة: القاعدة الحقيقية — لالة زهرة كانت تخفي الجزء الأهم. والباب لا يريد الملح. يريد شيئًا أصعب بكثير.
أحمد الليل
كاتب وباحث في الفولكلور العربي، يجمع القصص الشعبية المرعبة من عمّان إلى المدن الصغيرة.