ما لا يُرى في المخطط
لم تخبر سلمى ياسين بما سمعته بالضبط. قالت فقط: "في صوت غريب جاي من ورا الباب،" وتركت التفاصيل — الزفير الطويل، البرودة التي شعرت بها في خدها الملامس للخشب، الثانية الكاملة التي وقفت فيها بلا حراك قبل أن تبتعد — لنفسها.
"أنابيب قديمة،" قال ياسين. "أو قطة دخلت من فتحة سقف واتحبست. البيت ده عمره أكتر من مية سنة يا سلمى."
كان تفسيرًا معقولًا. لم يمنعها من قضاء نصف الليلة تراجع مخططات البيت مرة أخرى على شاشة حاسوبها المحمول.
في الصباح، ذهبت إلى مكتب أرشيف التراث العمراني الذي تعرف مديرته من عملها السابق. طلبت كل نسخة متاحة من مخططات هذا العنوان، عبر كل ترميم مسجل.
وجدت أربعة. واحد من فترة الاستقلال، وثلاثة أقدم، يعود آخرها إلى بدايات القرن الماضي، بخط يد مهندس فرنسي استعماري رسم توسعة الحي.
الأربعة، رغم اختلاف الرسامين والعقود الفاصلة بينهم، يتفقون على شيء واحد: الزاوية الشرقية جدار مصمت. لا باب. لا غرفة.
جلست طويلًا تنظر إلى الأربع نسخ جنبًا إلى جنب. أربعة مهندسين، في أربع حقب مختلفة، لم يلتقِ أحدهم بالآخر، رسموا جميعًا نفس الغياب بالضبط.
في آخر رخصة ترميم — الوحيدة الموقعة من جدها نفسه، قبل خمس عشرة سنة — لاحظت ملاحظة هامشية بخط بلدي رسمي، ليس خط جدها: "الحائط الشرقي — يُترك كما هو. لا تُعدَّل." بلا توقيع واضح، بلا سبب مذكور.
عادت إلى البيت عصرًا، والملاحظة لا تفارق ذهنها.
عند البوابة، توقفت جارة عجوز كانت تكنس أمام بيتها المجاور. نظرت إلى سلمى نظرة تعرف طويلة.
"إنتِ حفيدة الحاج إدريس، صح؟ شبهه في عينيكي."
قدّمت سلمى نفسها. الجارة عرّفت نفسها بلالة زهرة، تعيش في هذا الزقاق منذ خمسين سنة.
"كنت باشوفه كل ليلة تقريبًا،" قالت لالة زهرة، "بيكنس حاجة عند بابه الشرقي. حتى وهو مريض، في آخر شهرين، كان بيتلكّى للباب ده بعصا عشان يقدر يوصل."
سألتها سلمى عن السبب. أطبقت لالة زهرة فمها، غيّرت الموضوع بلطف، وعادت لبيتها.
مساءً، قبل النوم، تفقدت سلمى خط الملح عند العتبة من عادة جديدة صارت غريزة بسرعة. كان مكنوسًا بدقة كما تركته صباحًا — إلا نقطة واحدة، في منتصف الخط بالضبط، فارغة تمامًا، كأن أحدًا انتزع حبات الملح من تلك النقطة وحدها بعناية، لا بفعل ريح أو حيوان.
انحنت لتتفحصها عن قرب.
الضوء تحت الباب — الذي كان معتمًا دائمًا، لا كهرباء موصولة لتلك الغرفة أصلًا — رمش، مرة واحدة، بلون دافئ أصفر، كشمعة أُشعلت ثم أُطفئت في نفس اللحظة.
الحلقة القادمة: سبعة — لالة زهرة تحذّرها أخيرًا. الباب لا يعدّ لياليك أنتِ. له عدّه الخاص.
أحمد الليل
كاتب وباحث في الفولكلور العربي، يجمع القصص الشعبية المرعبة من عمّان إلى المدن الصغيرة.