اسم أبويا

قادت إلى بيت أمها بلا أن تتذكر الطريق.
سميرة قاسم كانت تعدّ الشاي في مطبخها الصغير حين رأت وجه ابنتها ودقّ إنذار داخلي قديم في عينيها.
"ياسمين؟"
"ماما. أبويا مات إزاي بالظبط؟"
لم تجب فورًا. غسلت يدًا لم تكن متسخة، جلست، ثم قالت: "قلتلك مليون مرة. حادث شغل."
"في محطة اسمها إيه؟"
صمتت طويلًا، طويلًا لدرجة أن ياسمين ظنت أنها لن تجيب أبدًا.
"محدش قالّي أسميها. بس أبوكي كان بيسميها 'المحطة'، بحرف التعريف بس، زي ما مفيش محطة تانية في الدنيا."
"كان بيتصرف غريب قبل ما يموت؟"
"كان بياخد رسايل من رقمه هو. زيك بالظبط." توقفت. "أول مرة اتكلم عن ده بصوت عالي من عشرين سنة."
"وكانت الرسايل بتعمل إيه؟"
"بعضها كان بيحذّره. مرة نجاه من حادثة سيارة كنت أنا فيها معاه. وبعضها التاني..." توقفت عن الكلام، عيناها في مكان بعيد. "بعضها كان بيعرف حاجات محدش المفروض يعرفها. قاللي مرة إن الرسالة عرفت حاجة قلتهاله في أوضة النوم، والباب مقفول، ومحدش سامعنا."
"وأنتِ صدقتيه؟"
"صدقت إن صوته وهو بيحكيلي كان صوت راجل خايف من حاجة حقيقية، مش من وهم."
ابتسمت سميرة ابتسامة بعيدة فجأة، غير متوقعة وسط الحديث. "كان دايمًا يناديكي 'يا وردة'، مش 'يا بنتي'. من يوم ما اتولدتي. حاجة بينكم إنتوا الاتنين. مش فاكرة إنتِ نسيتي الاسم ده؟"
لم تعلّق ياسمين. لم تكن تعرف لماذا هذا التفصيل بالذات جعل حلقها يضيق.
في تلك اللحظة، اهتز هاتفها.
فتحته والاثنتان تنظران.
"قوليلها إنك عارفة عن أوضة النوم. هي هتفهم."
توقف قلب ياسمين. لم تكن هي من نطقت "أوضة النوم." كانت أمها من قالتها، منذ ثوانٍ، بلا هاتف مفتوح، بلا أحد في البيت غيرهما.
شيء ما كان يسمعهما الآن. في هذه اللحظة بالذات، لا قبلها.
نظرت الاثنتان حولهما بغريزة عمياء — للأبواب، للنوافذ. لا شيء.
عادت ياسمين إلى شقتها بعد منتصف الليل، غير قادرة على البقاء عند أمها. جلست على سريرها، هاتفها بجانبها.
وصلتها رسالة أخيرة قبل أن يغلبها الإرهاق: "مبروك تاني. دلوقتي إنتِ فاهمة أكتر من أبوكي في نفس المرحلة."
ثم، بعد لحظة، صورة.
فتحتها بأصابع باردة. صورة لها هي، من الخلف، على نفس السرير، بنفس القميص. الطابع الزمني: بعد ثلاث دقائق من الآن.
من عادة صارت غريزة الآن، فتحت بيانات الرسالة الخام دون أن تفكر.
لا تاريخ صفر. لا خلل. توقيت حقيقي، حي، دقيق، مطابق للحظة إرسالها.
هذه لم تكن من الماضي. هذه كانت تحدث الآن.
نظرت خلفها نحو الخزانة، من الزاوية التي التُقطت منها الصورة بالضبط.
لا أحد.
لكن الباب، الذي أقسمت أنها أغلقته قبل الخروج، كان مفتوحًا بضعة سنتيمترات.
الحلقة القادمة: صورة لسه ما اتاخدتش — حد وقف في أوضتها. والصورة بتثبت كده.
أحمد الليل
كاتب وباحث في الفولكلور العربي، يجمع القصص الشعبية المرعبة من عمّان إلى المدن الصغيرة.