الرنة الأولى

سبع رنات. ثم صمت.
لم تردّ. تركت الهاتف على الطاولة، تراقبه من مسافة، كأن الاقتراب منه فعل له عواقب.
بعد ثانيتين: "رسالة صوتية جديدة."
ثلاث ثوانٍ من صمت له نسيج — صمت غرفة، لا صمت فراغ. ثم صوتها هي، لكنه أبعد مما ينبغي، مكسور:
"...ياسمين..."
انقطع.
لم تنم. جلست بملابسها حتى الفجر، ثم فتحت، من عادة مهنية لا تملك ترفًا في تعطيلها، البيانات الخام للرسائل الأربع من اليوم السابق. لم تكن تبحث عن شيء بعينه. فقط تحتاج أن تفعل شيئًا تفهمه.
في حقل التوقيت الزمني للرسالة الأولى والثانية، رقم واحد يتكرر: ٠١/٠١/١٩٧٠. تاريخ الصفر. الخلل الذي سمعت عنه مرة واحدة، همسًا، من مهندس تقاعد قبل سنوات — عطل قديم في بعض الرسائل، طابعها الزمني ينهار إلى نقطة البداية المطلقة للنظام، فتضيع الرسالة، ثم تظهر لاحقًا، في وقت غلط، من رقم غلط.
كتبت الاسم الذي سمعته يومًا في ذهنها: نقطة الصفر.
ذهبت إلى مازن.
كان أقدم مهندس في المركز، يعمل منذ أن كانت الشركة مؤسسة حكومية. وضعت الهاتف أمامه، شغّلت الرسالة الصوتية.
لم يتفاجأ. هذا أخافها أكثر من الصوت نفسه.
"من امتى بتوصلك؟"
"من امبارح العصر."
نظر إليها طويلًا. "قوليلي بالظبط إيه اللي حصل."
استمعت له وهي تروي، تنتظر شرحًا. لم يأتِ.
"سمعت اسم 'نقطة الصفر' قبل كده،" قالت أخيرًا. "ده حقيقي؟"
توقف مازن، يده على حافة المكتب. "اسم قديم. إحنا القدامى بنستخدمه لما محدش عايز يشرح حاجة."
"يعني إيه؟"
"يعني لو كانت نقطة الصفر فعلاً اللي بتحصلك، يبقى إنتِ لسه في المرحلة السهلة."
لم يوضح أكثر. طلب نسخة من كل رسالة "للتوثيق" وأنهى الحديث بسرعة غير طبيعية له.
بعد الظهر، عابرة شارعًا مزدحمًا، اهتز هاتفها: "ماتعبريش دلوقتي."
توقفت، قدم في الشارع وقدم على الرصيف. شاحنة مرّت بسرعة غير قانونية من المكان الذي كانت ستقف فيه بالضبط.
وقفت تلهث، ليس من الجري.
مساءً، من حاسوبها المنزلي، بحثت في الأرشيف الداخلي عن "نقطة الصفر." نتيجة واحدة. تقرير حادث، قبل اثنين وعشرين عامًا، مصنّف "مغلق." أغلب صفحاته محجوبة بالكامل.
اسم الفني المسؤول، في السطر الوحيد غير المحجوب:
حسين قاسم.
اسم أبيها. الرجل الذي قيل لها إنه مات بصعقة كهربائية عادية، حين كانت في الرابعة.
بحثت عن سطر آخر ناجٍ من التعتيم. وجدت واحدًا فقط، في أسفل الصفحة الأخيرة، مكتوبًا بخط مختلف عن باقي التقرير، كأن أحدًا أضافه لاحقًا، بلا صلاحية:
"المكالمة الصادرة من هاتفه لسه شغالة. من ست أيام."
نظرت إلى الساعة. تسعة وأربعون دقيقة تفصلها عن نهاية اليوم.
هاتفها، بجانبها، أضاء برسالة جديدة، بلا أن تسمع صوت التنبيه هذه المرة.
"مبروك. وصلتي أسرع منه."
الحلقة القادمة: اسم أبويا — أمها كانت تعرف أكثر بكثير مما قالت يومًا.
أحمد الليل
كاتب وباحث في الفولكلور العربي، يجمع القصص الشعبية المرعبة من عمّان إلى المدن الصغيرة.