لا يوجد نموذج لحذف اسم

مكتب شريف كان فارغًا في الصباح. الشاشة مطفأة، الكرسي مدفوعًا للخلف بترتيب غريب — كأن أحدًا رتّبه بعد مغادرته، لا كأنه غادره بنفسه في عجلة.
سأل زميلة له في القسم.
"شريف بيه اتنقل لفرع تاني، من كام يوم. سلّم كل شغله."
"أي فرع؟"
هزّت كتفيها. "معرفش. الإدارة قالت كده."
لم يصدق يوسف أن شريف، الذي بدا خائفًا حقيقيًا تلك الليلة، اختار الرحيل بهذه السهولة، بلا رسالة واحدة.
بدأت أشياء أخرى تتغير حوله.
شارة دخوله بدأت تُصدر "تنبيه" غريبًا كلما اقترب من المصعد الرئيسي، حتى دون لمسها. فحصها فني الصيانة، وقال إنها تعمل بشكل طبيعي تمامًا.
وصلته رسالة نصية آلية تشكره على "الحضور المسجل" في وردية لم يكن فيها. كان في إجازته الأسبوعية، نائمًا. راجيش أكد لاحقًا أن سجل الحضور اليدوي لم يُظهر اسمه في ذلك اليوم إطلاقًا.
الرسالة الآلية وحدها رأت حضوره.
بدأ ينام بصعوبة. يستيقظ في منتصف نهاره على صوت يظنه للحظة نداء المكبر، ليكتشف أنه صدى من نصف حلم.
اتصل بأمل أكثر من المعتاد.
"إنت تعبان يا يوسف. صوتك مختلف من أسبوعين."
"شغل الليل بيتعبني بس، أنا كويس يا حبيبتي."
"كريم بقى بيقول 'بابا' وهو بيشوف صورتك. يريت تيجي إجازة قريب."
ضحك ضحكة متعبة صادقة — أول ضحكة حقيقية له منذ أسبوعين.
"قريب إن شاء الله."
بعد المكالمة، جلس يحسب الأيام في دفتره، محاولًا أن يقنع نفسه أن كل هذا مجرد ضغط نفسي راكمه على نفسه.
لكن في تلك الليلة، وهو يدفع عربته في الطابق الرابع عشر، انفتح باب المصعد أمامه من تلقاء نفسه.
لم يكن فارغًا.
عم فاروق كان بالداخل، متجهًا نحو الأعلى، رغم أنه كان يجب أن يكون عند البوابة الرئيسية. حين رآه، اتسعت عيناه بذعر لا يشبه المفاجأة.
"عم فاروق؟ بتعمل إيه هنا؟ إزاي طلعت من غير ما أشوفك؟"
فتح فمه ليجيب، لكن لم يخرج صوت.
"مش فاكر يا يوسف. كنت واقف عند الباب زي كل ليلة، وبعدين لقيت نفسي هنا."
نظر يوسف إلى لوحة الأزرار. زر الرابع عشر لم يكن مضاءً. الخط الرفيع فوقه، الزر المسدود، كان مضاءً بضوء أحمر خافت.
قال فاروق بصوت أخفض من همس: "قفّل الباب. دلوقتي."
من عمق الممر خلفه، سمع يوسف صرير عجلة سرير طبي، يقترب.
ضرب زر الإغلاق حتى استجاب، ونزل بهما المصعد في صمت ثقيل.
عند الطابق الأرضي، أخرج فاروق ورقة صغيرة مطوية، قديمة الحواف، وناولها له.
"احتفظت بيها من يوم الحادثة. حسيت دايمًا إن يوم هيجي حد محتاجها."
فتحها يوسف. القائمة نفسها، لكن بخط صغير مضغوط في الأسفل: "الوحيد اللي يقدر يقفل الملف، لازم يدخل الجناح شخصيًا، ويوقّع تقرير خروج بخط إيده، قبل ما يوصل تاريخ الدخول. بعد ما يوصل التاريخ، مفيش رجوع."
اهتز هاتفه برسالة جديدة.
رقم داخلي. بلا اسم مرسل. "تأكيد: موعد دخولك للجناح ١٩ تم تقديمه."
توقف قلبه.
الليلة.
الحلقة القادمة: الغرفة التي كانت تنتظر — لا وقت للانتظار. يوسف يصعد وحده.
أحمد الليل
كاتب وباحث في الفولكلور العربي، يجمع القصص الشعبية المرعبة من عمّان إلى المدن الصغيرة.