مريض على الورق

لاحظ يوسف أن شريف، على عكس أغلب زملائه، لا يزال جالسًا خلف شاشته كل ليلة حتى وقت متأخر. وكل مرة يمرّ يوسف بالباب، يرفع شريف رأسه ويحدّق فيه نظرة أطول من المعتاد.
في الليلة الرابعة، وقف يوسف عند الباب.
"حضرتك بتعرف حاجة عن الجناح تسعة عشر؟"
توقفت أصابع شريف عن الكتابة. لم ينظر إليه مباشرة.
"اقفل الباب. وارتاح شوية."
سكب كوبين من الشاي دون أن يسأل. حرّك ملعقته طويلًا، كأنه يرتب أي جزء من الحقيقة سيسمح لنفسه بقوله.
"أنا هقولك اللي أقدر أقوله. ده حاجة إدارية بحتة، مفيش فيها ولا حاجة خارقة. بس معقدة جدًا."
أومأ يوسف، ينتظر.
"المستشفى شغال بنظام تأمين. كل سرير فاضي، على الورق، خسارة. لو نسبة الأسرة الفاضية زادت، شركات التأمين بتسأل، وبتقلل التمويل." توقف، شرب رشفة. "من سنين، حد في الإدارة لقى طريقة يخلي الأرقام تبان أحسن. بيفتحوا ملف مريض وهمي. اسم، رقم تأمين مستعار، تشخيص غامض بيستدعي إقامة طويلة. المريض ده بيتحط في سرير مسجل كمشغول."
"وفين المريض ده فعليًا؟"
"في أجنحة قديمة، محدودة الاستخدام. زي اللي إنت سامع عنه. مفيش حد بيروح يتفقدها، لأن مفيش حد مسؤول عنها أصلًا."
جلس يوسف صامتًا لحظة. "ده كله كلام على ورق. إيه علاقته بالصوت اللي بييجي من ورا الباب؟"
توقف شريف طويلًا، حتى شعر يوسف أنه لن يجيب.
"في حاجة، وأنا نفسي مش قادر أفسرها كاملة. المرضى دول بيتفتح لهم ملف كامل، مش بس اسم. بيتسجل لهم علامات حيوية، من غير حد يقيسها فعليًا. لكن من كام سنة، النظام بدأ يسجل أرقام إحنا مكتبناش، دقيقة بدقيقة. زي لو في حد فعلًا موصل بجهاز قياس حقيقي."
شعر يوسف بثقل يتجمع في صدره.
"وأخطر حاجة، إن مفيش ملف من دول اتقفل رسميًا. كل مرة، قبل ما ييجي تاريخ الإقامة، بنمدد التاريخ، أو بنفتح ملف جديد باسم تاني. دورة مستمرة. ماحدش وصل فعليًا للتاريخ."
"ليه؟"
نظر شريف إليه، مباشرة، لأول مرة منذ بداية الحديث.
"لأن أول مرة حد سابه يوصل، من سنين، اللي كان مسؤول عن الحساب اختفى تمامًا. الشركة قالت إنه هرب بعد ما اكتشفوا سرقة بيانات. ممكن يكون صحيح. بس اسمه فضل موجود في نظام الرواتب سنتين كاملة بعدها. بيستلم مرتب. من غير حد يقدر يوقف الحساب."
سكت الاثنان طويلًا.
"ليه بتحكيلي كل ده يا شريف؟"
أخرج ورقة مطوية من درجه، ومدّها بيد ترتجف. "لأن اسمك اتضاف الأسبوع اللي فات."
فتحها يوسف بيد باردة. نسخة من شاشة نظام داخلي: اسمه كاملًا، رقم هويته الوظيفية، تشخيص: "قيد المراقبة — إعادة تفعيل ملف سابق." وفي الأسفل، خانة "تاريخ الدخول المقرر": التاريخ الذي كتبه بنفسه في دفتره.
"شريف، إزاي أشيل اسمي من هنا؟"
نظر إليه بحزن حقيقي.
"محدش عمل كده قبل كده وقدر يقولك إزاي. النظام مبنيّ عشان يفتح ملفات، مش عشان يقفلها. مفيش نموذج. الملف الوحيد اللي فيه احتمال حل، هو الملف الأصلي. الورقي. مش النسخة الرقمية."
نظر إلى الباب المغلق. "جوه الجناح نفسه."
"إنت شفته بنفسك؟" سأله يوسف.
للمرة الأولى في الليلة، بدا شريف خائفًا خوفًا واضحًا.
"مرة واحدة. من زمان. ولسه مش قادر أنسى الصوت اللي سمعته في الأسانسير وأنا نازل. صوت زي حد بيكتب على ورق، بسرعة أكتر من أي إنسان."
نظر إلى يوسف، وأضاف بصوت كاد يكون همسًا: "ولو الملف اللي بيتكتب دلوقتي هو ملفك، يبقى إنت المفروض تكون خايف أكتر مني بكتير."
الحلقة القادمة: لا يوجد نموذج لحذف اسم — شريف يختفي بلا أثر. ويوسف يكتشف أن هويته بدأت تتحرك بدونه.
أحمد الليل
كاتب وباحث في الفولكلور العربي، يجمع القصص الشعبية المرعبة من عمّان إلى المدن الصغيرة.