الطابق الذي لا يُذكر

قضى يوسف الأيام الثلاثة التالية يراقب أكثر مما يعمل. لاحظ راجيش ذلك، وسأله مرتين إن كان بخير. لم يجب بصدق أيًا من المرتين.
توقف أمام اللوحة الإرشادية قرب المصاعد الرئيسية. خريطة الطوابق من الأرضي حتى الرابع عشر بخط أنيق. في الزاوية السفلى، حيث ينتهي التصميم عادة بشعار المستشفى، بقعة مستطيلة أفتح قليلًا من الخلفية.
كأن ملصقًا كان هناك يومًا. وأُزيل بعناية.
في الليلة الرابعة قبل موعده، سأل عم فاروق مباشرة.
"عم فاروق، إنت من زمان هنا صح؟ كان فيه طوابق أكتر من كده؟"
توقفت أصابعه عن تحريك السبحة. نظرة سريعة ليوسف، ثم عاد ينظر أمامه، نحو البوابة الفارغة.
"ليه بتسأل يا يوسف؟"
"سمعت نداء. جناح تسعة عشر."
صمت طويل. طوى فاروق السبحة في قبضة محكمة — طقس لا واعٍ يفعله حين يحتاج أن يثبّت شيئًا داخله.
"كان في طابق خامس عشر مخطط له وقت البناء. توسعة. المشروع وقف فجأة، قبل الافتتاح بشهرين."
"ليه وقف؟"
هزّ كتفيه بحركة أرادها عابرة. يداه لم تفلتا السبحة. "حادثة في موقع البناء. الحكاية اتقالت بأكتر من طريقة على مر السنين. اللي أعرفه إن كان في عمال فوق وقت الحادثة، وبعدها الطابق اتقفل، وماحدش اتكلم عنه رسميًا تاني."
"وإيه اللي حصل للعمال؟"
توقف أطول من كل مرة قبلها.
"الشركة قالت إن الكل اتأمن بالسلامة. بس أنا واقف هنا الليلة اللي حصل فيها، وعديت عمال داخلين الصبح أكتر من اللي طلعوا بالليل."
سأله يوسف، صوته أخفت مما قصد: "الحادثة كانت يوم إيه؟"
نظر إليه فاروق نظرة طويلة، ثم قال ببطء، كأنه يتذكر تاريخًا محفورًا فيه أكثر من أي شيء آخر: "ليلة أربعاء. تلاتة الفجر."
شعر يوسف ببرودة في معدته لا علاقة لها بالتكييف.
تلك الليلة، ذهب إلى الأرشيف قبل عمله. وجد ملفًا رقيقًا، مؤرخًا قبل خمسة عشر عامًا: "مشروع توسعة الجناح الشرقي — إيقاف مؤقت." في الصفحة الأخيرة، قائمة أسماء بخط صغير. تسعة عمال. بجانب اثنين منهما، كلمة واحدة بخط اليد: "مفقود."
نسخ الاسمين في دفتره، بيد ترتجف قليلًا، وأعاد الملف بعناية.
الممرضة لبنى مرّت بجانبه في طريقها للخروج، وتوقفت حين رأت وجهه.
"إنت كويس يا يوسف؟ شكلك شايف عفريت."
كادت "أنا بخير" أن تخرج من فمه. لكن شيئًا في نظرتها الصادقة جعله يتردد.
"لبنى، سمعتي يومًا عن جناح تسعة عشر؟"
توقفت. عبر وجهها شيء سريع — لا خوف صريح، بل ذاكرة غير مرغوبة تحاول أن تطفو، ثم تُكبَح.
"سمعت الممرضات القدايم بيهمسوا عنه لما كنت جديدة. بيقولوا الاسم ده بيتستخدم لما يكون في تسوية إدارية معينة. محدش بيشرح أكتر. وأنا مبقتش أسأل."
"تسوية زي إيه؟"
"معنديش فكرة، وحابة أفضل كده." نظرت إليه بجدية غير معتادة. "بس لو سمعت الاسم كتير، اتركه. الأسئلة في المكان ده بتخلي ناس تخسر شغلها من غير سبب واضح."
لم تكن نصيحة كافية لتوقفه. كانت بالضبط ما جعله يتأكد أن هناك شيئًا حقيقيًا يستحق أن يُكتشف.
في طريقه للسكن صباحًا، فتح بريده الوظيفي بفضول عابر. رسالة من الموارد البشرية لم يفتحها بعد: "تأكيد استلام صورة الهوية." رسالة آلية تشكره على "تقديم نسخة محدّثة من هويته."
لم يقدّم أي نسخة لأحد منذ يوم توظيفه قبل عام كامل.
فتح دفتره، وكتب تحت السطرين السابقين: "هويتي اتاخدت من غير ما أعرف. حد استخدمها. لإيه؟"
قلّب صفحات دفتره القديمة، ووقعت عيناه على الاسمين اللذين نسخهما قبل أيام — لم يقرأهما بتمعن كافٍ حينها.
قرأهما الآن، ببطء.
الاسم الأول لم يعنِ له شيئًا. الاسم الثاني كان اسمًا سمعه بالضبط قبل أسبوعين. موظف قديم استقال فجأة من قسم الحسابات، دون تفسير، مسجل في نظام الرواتب بتاريخ محدد بدقة.
يوم أربعاء. الساعة الثالثة فجرًا.
الحلقة القادمة: مريض على الورق — شريف يعرف الحقيقة منذ أسابيع. الليلة، سيتكلم أخيرًا.
أحمد الليل
كاتب وباحث في الفولكلور العربي، يجمع القصص الشعبية المرعبة من عمّان إلى المدن الصغيرة.