التخريج

لم يفتح الباب من تلقاء نفسه. توقف المقبض في منتصف الدوران، ثم عاد ببطء، كأن ما بالخارج غيّر رأيه.
سمع يوسف صوتًا جديدًا. صوت أوراق تُقلَّب بسرعة غير طبيعية، من مكان قريب جدًا. صوت يد تكتب أسرع من أي إنسان.
فتح ملفه، وقرأ سطر شريف الأخير: "لازم اسم جديد قبل الأربعاء الجاي."
نظر إلى الورقة الفارغة الثامنة عشرة. وإلى الخانة أسفلها.
فهم الآلية كاملة، دفعة واحدة.
الملف لا يُغلق ببساطة. لا يفرغ مكانه دون أن يمتلئ مكان آخر. النظام، منذ أن كان حيلة إدارية بسيطة، أصبح شيئًا لا يعرف كيف يتوقف — فقط كيف يستبدل. سبع عشرة يدًا رفضت أن تكتب اسم إنسان حي تعرفه ليأخذ مكانه. فمُزّقت كل محاولة. وبقي الملف مفتوحًا، ينتظر يدًا أقل تصميمًا على الرفض.
في زاوية الدرج، وجد ملفًا آخر، مغلقًا بالفعل. اسم مألوف مؤلم: شريف نجيب.
تاريخ الإغلاق: الأسبوع نفسه الذي اختفى فيه. توقيع شاحب، متوقف في منتصف الحرف الأخير.
وفي خانة "اسم بديل"، بحبر أحدث قليلًا، ثلاثة أحرف: يوسف عبد الرحمن.
جلس يوسف على الأرض. لم يكن قد اختير عشوائيًا. شريف — خائفًا، مرهقًا، تحت ضغط لا يستطيع تخيل حجمه — كتب اسمه ذلك الليل، لأنه كان الأقرب، الأسهل، الأحدث في القسم.
لم يكن خيانة. كان استسلامًا. الخوف نفسه الذي يجلس فيه يوسف الآن، أمام الخانة نفسها.
صوت الكتابة السريعة توقف فجأة.
ثم، خلف الباب، خطوات. لا خطوات إنسان طبيعية. خطوات متقطعة، متعثرة، كأن شيئًا يحاول أن يتذكر كيف يمشي.
رفع يوسف قلمه. وفهم أنه أمام الخيار الذي رفضه سبعة عشر شخصًا، ودفع كل منهم ثمن رفضه بالبقاء في هذا الملف إلى الأبد.
الرفض ليس بطولة. إنه حكم مؤجل.
كتب، بخط مرتجف: "المريض المسجل تحت هذا الاسم خرج بحالة مستقرة. الملف مغلق."
توقف قلمه فوق الخانة الأخيرة. حاول أن يفكر في اسم غريب، بعيد، لا يهمه.
لكن عقله، تحت هذا القدر من الرعب، لم يستحضر إلا الرقم الأكثر رسوخًا فيه. الرقم الذي كرره لأمل بفخر أبوي بسيط، منذ أسابيع، حين سجّلته للتو في برنامج تأمين صحي جديد.
كتب الرقم، دون أن يسمح لنفسه بالتفكير فيما يفعله فعليًا. وقّع اسمه تحته. أغلق الملف بقوة.
الخطوات توقفت. صمت طويل ثقيل.
ثم، ببطء، بدأت تبتعد. أخفت فأخفت. حتى اختفت.
جلس يلهث، الملف بين يديه. حين نظر إلى الشاشة الخضراء أخيرًا، قبل أن يفرّ، لاحظ أن النبض لم يعد يطابق نبضه.
كان أسرع بكثير. أصغر. أخفّ.
معدل نبض لا يمكن أن يخص رجلًا بالغًا.
بعد أسبوعين، وصلته رسالة آلية من الموارد البشرية، جافة كأي إشعار عادي: "تم إغلاق طلبك المُدرَج بتاريخ سابق. لا حاجة لأي إجراء إضافي."
لا اعتذار. لا تفسير.
عاد إلى روتينه، أو حاول. لم يعد يمر بالمصعد الرئيسي إلا مضطرًا. عم فاروق بدا هادئًا أكثر مما كان، وكأن ثقلاً غادر كتفيه أيضًا.
في مكالمة فيديو مع أمل، كانت تحمل كريم وهو يمسك بلعبة صغيرة. قالت، بلا اهتمام خاص: "بالمناسبة، جالي إشعار من التأمين بتاع كريم. بيقولوا الملف اتحدّث. أنا مالمستش حاجة. إنت عملت حاجة من هناك؟"
ابتسم يوسف ابتسامة لم تصل عينيه.
"لأ، معرفش يا حبيبتي. غالبًا خطأ بسيط."
بعد المكالمة، جلس وحده طويلًا. ثم، بيد لا يتحكم فيها تمامًا، فتح هاتفه على بوابة الموظفين، ودخل نفس الحقل الذي أراه شريف مرة.
كتب رقم كريم.
انتظر ثانية واحدة طويلة كالدهر.
نتيجة واحدة ظهرت. ليست من مستشفى الرجاء. اسم مؤسسة لم يسمع بها من قبل، في مدينة لم يزرها في حياته. سطر واحد تحته: "حالة القبول: قيد الانتظار. رقم الجناح: [محجوب]."
نهاية الموسم الأول. الحكاية الحقيقية بدأت للتو — تابعوا صفحة السلسلة لمعرفة موعد الموسم الثاني.
أحمد الليل
كاتب وباحث في الفولكلور العربي، يجمع القصص الشعبية المرعبة من عمّان إلى المدن الصغيرة.