الزقاق الذي لا يُعد

خبقلم خالد منصورنُشرت في ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦2 دقائق قراءة٣٫٩ ألف مشاهدة
مشاركة

يُقال، بين كبار المدينة القديمة، إن هناك زقاقًا لا يظهر على أي خريطة، لا يجده إلا من يعدّ خطواته من غير قصد وهو يمشي وحده ليلًا.

لا أحد يعرف بالضبط منذ متى بدأت الحكاية تُروى، ولا أحد يستطيع أن يشير إلى الزقاق بيقين تام حين يُسأل عن مكانه بالضبط. لكن كل من يرويها يتفق على القاعدة نفسها: من يدخله لن يجده مرة أخرى مهما حاول، ومن يخرج منه يخرج بعد دقائق قليلة فقط بحسب إحساسه، رغم أنه يشعر وكأنه مشى لساعات طويلة.

هذه هي النسخة التي تُروى للأطفال، تحذيرًا لطيفًا: "متعدّش خطواتك وإنت ماشي لوحدك بالليل."

لكن صاحب دكان العطارة القديم في الزقاق المجاور، الذي يجلس أمام محله كل مساء منذ أكثر من أربعين سنة، يروي نسخة أخرى، حين يشعر بالراحة الكافية ليتكلم، عن ابن أخيه نزار.

كان نزار صبيًا حين حدث الأمر، عائدًا من بيت صديق متأخرًا، يعدّ خطواته بلا وعي منه ليطرد التوتر من عتمة الأزقة الفارغة. في لحظة ما، وجد نفسه في زقاق لم يره من قبل، ضيق، لا نهاية واضحة له، والعدّ في رأسه لا يتوقف رغم محاولاته.

بحسب روايته هو، خرج بعد دقائق قليلة فقط، مرتبكًا، بلا أي إحساس بأن شيئًا غريبًا قد حدث.

لكن عائلته عاشت شيئًا مختلفًا تمامًا. غاب نزار ثلاثة أيام كاملة. بحثت عنه العائلة والجيران في كل مكان، بلا أثر، حتى ظهر فجأة عند باب البيت في الصباح الرابع، يسأل، بحيرة صادقة، لماذا الكل قلق هكذا وهو "لسه راجع من عند صاحبه من شوية."

لم يتذكر نزار أي فراغ زمني. لكن أهله لاحظوا شيئًا صغيرًا لم يستطيعوا تفسيره: عاد وهو يهمهم برقم تحت أنفاسه، بلا توقف تقريبًا، كعادة عصبية جديدة لم تكن لديه من قبل. حين حاولت والدته أن تكتب الرقم الذي يردده، وجدت أنه يتغير كل مرة تحاول فيها، رقم بسيط يتناقص، ببطء شديد، على مدى سنوات، وكأن نزار يعدّ تنازليًا نحو شيء لا يعرفه هو نفسه.

لم يتحدث نزار عن الأمر أبدًا حين كبر. لم يعد للزقاق الفرعي الذي رآه تلك الليلة أي وجود يمكن لأحد أن يؤكده، رغم أن كثيرين حاولوا، من فضول أو من عدم تصديق، أن يجدوه بأنفسهم.

يقول صاحب دكان العطارة، حين يصل روايته إلى هذه النقطة، إنه لا يعرف مصير نزار بالضبط بعد ذلك. يقولها بنبرة من يتجنّب سؤالًا أوضح مما يريد أن يُسأل.

لكن من يجلس معه طويلًا بما يكفي، ويلاحظ جيدًا، يرى شيئًا يصعب تجاهله: حتى في صمته، شفتاه لا تتوقفان تمامًا عن الحركة الخفيفة — ومن يقترب بما يكفي ليسمع، يجد أن الرقم صار صغيرًا الآن. رقم من خانة واحدة. يتناقص.

ومن يسأله مباشرة عن اسمه الكامل، يبتسم فقط، ويغيّر الموضوع، تمامًا كما يفعل كلما اقترب أحد من عدّ خطاه وهو يمشي بعيدًا في نهاية الليل.

قيّم هذه القصة
خ

خالد منصور

كاتب مستقل يشارك تجاربه الشخصية وقصص الجن والظواهر الخارقة.

التعليقات

أضف تعليقًا