خان القوافل الصامت

يُقال بين كبار التجار القدامى قرب الموصل إن هناك خانًا قديمًا كان يومًا محطة رئيسية للقوافل العابرة، حتى ليلة واحدة توقفت فيها إحدى القوافل عن متابعة طريقها لسبب لم يدوّنه أحد، وتفرّق أفرادها في اتجاهات مختلفة.
هذا ما تحكيه الرواية الرسمية، تلك التي يرويها المرشدون السياحيون اليوم دون تفصيل كبير. لكن جدّي، الذي ورث هذا الخان جزئيًا عن آبائه قبل أن يتحول إلى موقع أثري تديره الدولة، كان يروي نسخة أطول، لا يرويها إلا لمن يجلس معه طويلًا بما يكفي عند المساء.
تضاربت الروايات بين التجار وقتها حول ما حدث تلك الليلة، لكنهم اتفقوا جميعًا على نقطة واحدة: لم تعبر قافلة أخرى ذلك الطريق بعد غروب الشمس لعقود طويلة بعدها.
يقول جدي إن جدّ جدّه كان أحد أفراد تلك القافلة، وأنه كان الوحيد الذي عاد بمفرده في صباح اليوم التالي، بلا تفسير واضح لما حدث لبقية رفاقه، حاملًا معه شيئًا واحدًا فقط: جرسًا نحاسيًا صغيرًا، من النوع الذي يُعلَّق على أعناق الجمال لتتبع القافلة في الظلام، لم يكن جزءًا من عتاد قافلته هو حسب ما تذكره العائلة.
لم يتكلم جدّ جدّه عن تلك الليلة أبدًا حتى وفاته. لكنه أوصى، قبل رحيله، أن يُحفظ ذلك الجرس، وأن يُسلَّم، جيلًا بعد جيل، لأكبر أبناء العائلة، مع تعليمات لا تُنقض: أن يبقى الخان مضاءً بعد الغروب، ولو بمصباح واحد صغير، وأن يُترك بابه غير موصد تمامًا، "تحسبًا لعودة متأخرة."
كبر جدي وهو يظن هذا مجرد وصية غامضة من رجل عجوز، حتى الليلة التي نسي فيها أحد العمال إشعال ذلك المصباح الواحد، لأول مرة منذ أن تولى جدي مسؤولية الخان.
في تلك الليلة، سمع جدي، بحسب ما رواه لي بنفسه قبل وفاته، صوت خطى جمال بعيدة تقترب من الخان، بإيقاع بطيء ومنتظم، يقترب أكثر فأكثر عبر الساعات، دون أن يصل أبدًا.
توقف الصوت فجأة قبيل الفجر، ولم يعد بعدها أبدًا في حياة جدي.
لم يخبر أحدًا في العائلة بما سمعه تلك الليلة، إلا حين شعر أن الوقت حان لتسليم الجرس لي أنا، أكبر أحفاده، مع الوصية نفسها التي وصلته، كلمة بكلمة.
اليوم، لا يزال الخان قائمًا كموقع تاريخي صامت، يزوره الباحثون والفضوليون، بينما يفضّل كبار المنطقة عدم الحديث عن السبب الحقيقي وراء هجره القديم. الجرس لا يزال معي، في صندوق صغير لا أفتحه إلا نادرًا.
الشهر الماضي، من باب العادة أكثر من الحاجة، فتحته لأتفقده كما أفعل كل عام.
كان بداخله جرسان، لا جرس واحد.
أحمد الليل
كاتب وباحث في الفولكلور العربي، يجمع القصص الشعبية المرعبة من عمّان إلى المدن الصغيرة.
