الصوت الذي لم يتوقف

أول من سمع الطرقة كان جاري القديم أبو سمير، بعد منتصف الليل بقليل، وافترض، مثل أي شخص عاقل، أنها قادمة من الشقة المجاورة. لم يفكر فيها مرتين حتى سمعها في الليلة التالية، في الساعة نفسها بالضبط، لكن هذه المرة سمعها معه ثلاثة جيران آخرين، كل منهم في بيت مختلف، على مسافة عشرات الأمتار من بعضهم.
أنا كتبت عن هذا الحي من قبل، لتقرير صحفي عن تاريخه العمراني، وحين وصلتني القصة من أحد القراء بعد أسابيع، لم أكن أتوقع أن أعود إليه من أجل شيء كهذا.
بحسب ما جمعته من عشرة سكان على الأقل، توقفت الطرقة الثالثة عن كونها مجرد صوت مزعج وتحولت إلى لغز حقيقي. في تلك الليلة، حاول ثلاثة رجال تتبع مصدرها بأنفسهم، كل واحد في بيته، يضع يده على الحائط عند كل طرقة. لاحظوا شيئًا غريبًا: الصوت لم يكن يأتي من نقطة ثابتة، بل ينتقل، بترتيب منتظم تقريبًا، من جدار إلى جدار، عبر عدة بيوت متجاورة، وكأنه يتبع مسارًا واحدًا يعرفه هو فقط.
فحص فني كهرباء الأنابيب والأسلاك في ثلاثة من البيوت المتضررة، بطلب من السكان أنفسهم، ولم يجد شيئًا يفسر الصوت. لا اهتزاز آلي، لا تمدد حراري في المواسير، لا شيء في السجل الهندسي للمبنى يمكن أن يفسر طرقة تنتقل بهذا الانتظام بين بيوت لا تتشارك جدارًا مشتركًا حرفيًا في كل الحالات.
توقف الصوت بعد تلك الليلة الثالثة، ولم يعد أبدًا. هذا ما تقوله كل رواية جمعتها — إلا رواية واحدة، لم تصل إليّ إلا متأخرًا، من امرأة كانت تعيش في الحي وقتها ثم انتقلت منه بعد أشهر قليلة.
قالت إنها، غير قادرة على العودة للنوم ببساطة، حاولت في تلك الليلة الثالثة أن ترسم على ورقة موقع كل طرقة سمعتها، بيتًا بيتًا، بالترتيب الذي وصلتها به الأخبار من جيرانها عبر الهاتف تلك الليلة. حين انتهت، وجدت الخط الذي رسمته لا يتبع الشارع، ولا حدود الأرض الحالية للبيوت.
كان يرسم مستطيلًا. غرفة واحدة، بأبعاد منزل لم يعد له وجود.
سألت في الجوار أيامًا بعد ذلك، غير قادرة على ترك الرسمة جانبًا، حتى وجدت أكبر سكان الشارع سنًا، رجلًا عاش هناك قبل أن توجد أي من البيوت الحالية أصلًا. لم يحتج أن يرى رسمتها ليؤكد له الأمر. أخبرها، دون أن تسأله عن الشكل، أن الشارع كله كان يومًا بيتًا واحدًا، هُدم قبل أن تولد هي، وأن غرفة النوم، إن أرادت أن تعرف، كانت تطل على الشارع بالزاوية نفسها تقريبًا التي وصفتها للتو.
لم تخبر أحدًا بهذا في حينه. أخبرتني به الآن، بعد سنوات، لأنها، على حد قولها، تحققت أخيرًا من شيء أجّلته طويلًا: عنوان بيتها القديم في ذلك الحي، الذي انتقلت منه بعد أشهر قليلة من تلك الليلة، يقع تمامًا فوق الزاوية الرابعة من ذلك المستطيل — الزاوية الوحيدة التي لم تكن الطرقة قد وصلت إليها بعد حين توقفت فجأة، من غير سبب واضح، في تلك الليلة الثالثة.
خالد منصور
كاتب مستقل يشارك تجاربه الشخصية وقصص الجن والظواهر الخارقة.
