اختفاء عائلة الوادي

اختفاء عائلة الوادي

البيت ما يزال موجودًا. الحديقة الخلفية جافة، العشب مات، والسور الحجري المتآكل لا يمنع النظر… لكن الوادي لا يحب أن يكون الناس قريبين منه بعد الغروب. أهل القرية يقولون إن كل شيء يحدث ببطء في الليل… ربما لأن أصواتهم تكون بعيدة. كل يوم يمرُّ أهل القرية بجوار هذا المكان ولا يلتفتون. الباب الخلفي الذي لم يُغلق أبدًا منذ اختفاء العائلة، سيبقى مفتوحًا. أحياناً تسمع همسًا يأتي من فوق الأشجار… كأنه صوت طفلة. إذا وقفت عند السور في ليلة بلا قمر، تسمع همسًا مصدره بعيد.

يقول بعض شباب القرية إن أحدهم حاول أن يتحدى نفسه قبل سنوات. تسلّق السور ووضع يده على حافة الوادي، فسمع صوتًا يهمس: ”إذا في حد تحت… يطلع!“. لم يحدث شيء في تلك اللحظة، لكن في الأيام التالية بدأ يسمع كل ليلة صوت ماء يمرُّ من تحت، برغم أن بيته بعيد عن الوادي. صار يسمع صوت باب يُفتح ويُغلق، وخطوات خفيفة، وضحكات صغيرة عند باب غرفته. ذات ليلة استيقظ وهو يشعر ببرودة شديدة في قدميه، كأن أحداً أمسكهما. قال بعدها لأصدقائه: “ما شفت حد… بس حسيت بأنفاس أطفال صغار قرب وجهي”.

بيت عائلة الوادي بيت شاهد… لا أحد يعرف ماذا حدث بالعائلة. هل خرجوا من الباب الخلفي وسقطوا في الوادي، أم اختطفهم شيء من تحت؟ أم أن شبحاً أخذهم؟ منذ ذلك اليوم… إذا مررت قرب هذا المنزل في ليلة باردة وسكتت القرية تماماً، قد تشعر أن البيت يراقبك من بعيد.

في أيام المطر ترتفع مياه الوادي، ويتحول صوت الماء إلى همس… أحياناً تظن أن الماء يهمس بإسم أحد. كأن أحداً في الأسفل لا يستطيع الخروج، وينادي علينا. أنصت بعض الناس إلى النهر في إحدى الليالي، فسمعوا كلمة واحدة تتكرر: “تعال…”.

في تلك الليلة، لم يسمع أحد صراخاً. لا صوت استغاثة، ولا ضحكات، ولا حتى صوت باب يُغلق. لكن بعض الجيران قالوا إنهم سمعوا هدير الماء يتحول لثوانّ إلى شيء آخر… شيء يشبه أصوات أناس كثيرين يتحدثون في وقت واحد، ثم يختفي. في صباح اليوم التالي، لم يُفتح الباب الأمامي. الأطفال لم يذهبوا إلى المدرسة. الأب لم يذهب إلى عمله. الأم لم تظهر في السوق. عندما فتح الجيران الباب، كان كل شيء في مكانه: الأثاث مرتب، الطاولة عليها بقايا فطور، أحذية الأطفال مصطفة. لكن البيت حمل شعوراً خانقاً، وكأن أحداً ما غادر قبل دقائق فقط.

فتش المحققون كل زاوية، بحثوا في الوادي وجلبوا غواصين. لم يجدوا شيئا. لم يجدوا ملابساً معلقة أو صراخا. وآثار الأقدام الصغيرة قرب السور توقفت فجأة. كأن الأطفال… تبخّروا. قال أحد المحققين: “لو كانوا هربوا، لوجدنا آثارا. لو انخطفوا، لوجدنا دليلا. لكن أن يختفوا… أين ذهبوا؟ الهواء لا يأكل الناس”.

سنوات مرت والبيت ما زال موجوداً. بعض الشباب يقسم أن الستارة في نافذة المطبخ تتحرك، رغم أن كل شيء مغلق. وأحياناً، إن وقفت قرب السور في ليلة بلا قمر، تسمع من بعيد ضحكة طفل… تأتي من الأسفل، من جهة الماء. ضحكة قصيرة، ثم سكوت. يقول بعضهم إن النهر “شبع” بعد اختفاء العائلة، لكن لا أحد يعرف ما حدث. الملف أُغلق رسميا، لكن القرية لم تنس القضية.

البيت اليوم شبح… يمرّ الناس بجانبه بسرعة ولا يتوقفون. كل ليلة يطرق الباب الخلفي ثلاث مرات، ببطء. وإذا نظر أحد من ثقب الباب، يرى ظلّاً لطفل صغير واقفاً. يقولون إنه ريان… الطفل الذي اختفى. فوق الباب ورقة صغيرة كتب عليها: “نحن ما زلنا هنا”.

«لو كانوا هربوا… كان فيه آثار. لو انخطفوا… كان فيه دليل. لكن أن يختفوا كلهم… وين يروحوا؟ الهواء ما يأكل ناس»

Scroll to Top